
والـذي أُريـد التحدُّث عنـه هـو أنه قرأتُ لمدوِّنين ومدوِّنات، وحتى أولئك الذين يحسِبُون أنفُسَهم كتّابا ونُقادا، واتخذوا من الشبكة العنكبوتية مرتعا لهم لنشر فكرهم؛ قشور بلا لُبَاب أو مضمون بلا شكل ... فبين تضاعيف كتاباتهم وطيَّات خِطاباتهم وجدتُني أمام واقعٍ لُغويٍّ مضطرب الأركان، ومتزعزع البنيان. أعني تلك الأخطاء النحوية والعثرات الصرفية، وذاك الخلل في استيعاب قواعد الإملاء، الذي يُعدُّ بابًا من أبوابها غيابٌ عام لعلامات الترقيم، التي تساعد القاريء على الفهم، كالفاصلة والنقطة وأخواتها الأخريات ... لهذا، ما كان يحسن، ولن يكون بحَسَنٍ أن يقدر واحدٌ على حمل قلمٍ يحملُ في جوفه فكراً جميلاً، وله دراية وممارسة تربوية، وهو يرى ما يرى من بَهْتٍ وضلالٍ، ثم يسكت، ويُلزمُ قلمَه السكوت معه، فذلك ظلْمٌ، قلَّ من الظلم ما يَعدِلُه.
وقد نظرت في مقالات أُولئِك فكتبتُ ما كتبت بياناً -أرجو أن يكون فيه بعض شفاءٍ- للحق الذي أمسى غريباً، وأمسى أهله غرباء، رجاءً في رحمة الله، وفي إصلاح ما به شوائب وتقويم ما به اعوجاج!!
على كل حال، ارتأيتُ من خلال هذه الرسالة أن أجيب مُدوِّنة دخلت غمار الكتابة لتُدلي بدَلوها، وتترك بَصْمَتها في رحاب الأدب وميدان الفكر وبَيدَر العلم .. كذلك أن أخُذَ بيديها ويد الآخرين الذين قد ذيَّلتُ نفثات قلمهم بتعاليق وملحوظات .. لا داعي لذكر الأسماء، قد يؤدي إلى إحراجهم أو ربما يبدو تحيُّزا غير مُنصِف .. ولستُ بهذا العمل أسعى لأن أكون أستاذا حصيفا، فما أبرِّئ نفسي، ولا أدّعي سلامة وضعي دون أبناء جنسي؛ بل فقط أحاول أن أكتب وأعبر عن فكرتي ورأيي .. فإن اختلفنا فـ"الاختلاف رحمة"، ولسنا ببعيد من قول الشاعر قيس بن الخطيم:
على أيٍّ، حتى لا أطيل كلامي، هذه الرسالة وإن كانت إلى صاحبتها قاصدة، فإن مضمونها ومحتواها يَعني الجميع ويَعُمُّ العموم. والآن إليكها، أيُّها القاريء الكريم، بشواردها وأوابدها:
عزيزتي الطالبة -وكلنا طلاب- .. بعض الحقيقة مذاقها مرٌّ أو مُز. ويقول المثل : اسمع لما يُبكيك ولا تُصْغِ لما يُفرحُك. هذا على الرَّغم من كوني لم أقُل أصلاً الحقيقة الحقيقة، وإنما، بعد قراءتي المتواضعة ، قصدتُ إخبارك بما رأيت وإعلامك بما وجدت في مندوحة قصيرة هي أقرب إلى عتابٍ أو لومٍ منه إلى انتقاصِ حقك وإبْخاسِ قدرك أو تقريعٍ وتَكْليمٍ وانتقاد.
لكن إذا كنتُ فعلا قد التمستُ لك العذرَ حتى أُلطِّف من وقع الواقعة وأوَاري بحُجب الأدب عنفوان الصراحة، فالذي لا أفهمه هو لماذا لم تشرعي في العمل، في إصلاح الثلمات وسد الفجوات، بعدما وجَّهتُك إليها وصوَّبتُك نحوَها، بالقدر الذي طفقتِ فيه تخصِفين عليك من وَرَقِ الأعذار؟!! .. ألا إنَّ تَرْكَ الذَنب أيسرُ من التماس العُذر، ﴿بل الإِنسانُ على نفسِهِ بَصِيرةٌ، ولو أَلْقى مَعاذِيرَه﴾!!
سأجيب عن سؤالي حتى لا أحمِّلَك عناء الجواب، وبه استدرك زلَّتي في كوني،رُبّما، لم أكن رقيقا في كلامي، وليِّناً في حديثي؛ تعاملت بالحجة والدليل، ونسيتُ كم من إنسان ما نفعت فيه الحجة ولا نجعت فيه الأدلة، ونسيتُ أن اعتبرَ مما قاله الله تعالى لموسى وأخيه: ﴿فقُولَا لهُ قَولًا لَّيِّناً لَعلَّه يَتذكَّرُ أو يَخشَى﴾.
على كُلٍّ، لا أريدكِ، أختاه، أن تكوني من أولئك الذين يتنكَّبون التكلُّم بالفصحى؛ فهذا يَعتزُّ باللغة الفرنسية لأنه درس بمدرسة فرنسية، وثانٍ يعشق الانجليزية، وثالث يجتهد لأن يتحدث بكلمات أجنبية حتى لا يكون رجعيًّا، ورابع... كلٌّ يتشدَّق بمقولة ما هي إلا افتراء وبهتان، بين جوانحها روح الهزيمة والانحطاط الفكري .. يقول: "من تعلَّم لُغةَ قومٍ أمنَ شرَّهم ومكرَهم" .. أيُّ شرٍّ أكبر ممَّا أنتُم فيه، بعدما تناسيتم لغةَ لسانكم، وقلبتُهم لها ظهر المِجَن؟؟ ... يقولون: "إنَّ العربية لا تُساير التطور الحاصل في عالم التكنولوجيا والتَّقانَة؛ بل لا تُعبِّر البتَّةَ عن تقدُّم الأمم والأجيال .. إنها لا تُضاهي اللغات الأخرى كالانجليزية والفرنسية، لغات التواصل العالمية. بصريح العبارة إنها تجلبُ لمتكلِّميها الذل والعار، فهي لا تُوفِّر لهم أدنى مُتطلَّبات العيش الكريم من وظيفة فمأكل ثم ملبس ومسكن..."، هذا على الرَّغم من أنهم، ويا للمُصيبة، يُعبِّرون بها عن حاجاتهم، ويُفصِحون من خلالها عن مكنوناتهم، ويكشِفون عَبْرَهَا عن مشاعرهم... أجل، يُنكرون إحسانها، ويجحدون فضلها، فقط ليُسايرُوا الموضة والميوعة .. يا له من تخلُّف!!
عزيزتي المدوِّنة، وأنا أخطُّ هاته السطور، تبادر إلى ذهني سؤال، سالت في شأنه أقلام ومُزِّقَت في أمره صفحات، هل نَكتُب لأنفُسنا أم لغَيرنا؟! أنَكْتُب لمُجَّردِ أن نَسْكُبَ الحِبْرَ أم لنا في الكتابةِ مَآرِبُ أخرى؟!
إن كنا نكتب لأنفسنا فلماذا ننشر هيامنا و"تخَربيقَنا" ليَقرأه غيرَنا؟ أوَلم يكن من الأولى والأجدَر أن نحتفظ بما كتبناه لأنفسنا ونحرص ألاَّ يطَّلِعَ عليه الآخرون؟!!
أمَّا إن كنَّا نقصِدُ اهتمام الآخرين وعنايتهم .. أليسَ من الأفضل أن نتحرَّى السُّبُل السليمة والطرُق الصحيحة لنَستَقطِبَ أنظارهم، ونؤثِّر فيهم بأسلوبنا، ونُقنِعَهم بحُجَجنا، ونُبلِغَهُم بالمُراد؟!
فإذا كان همُّ الزَّوجَة كيفيَّةَ إشباعِ مَعِدَةِ بَعْلِهَا، فإنَّ همَّ الكاتب والأديب كيفيةُ بيع اسمه، ونيل رضى القاريء من خلال إشباع نَهَمِهِ الفكري واحترام ذكاءِه وثقافتِه... بالله عليك كيف نفعل ذلك ونحن لا زلنا في عتبات اللغة، نَتعثَّر بعقبات النَّحو مرَّة وبمَطابِّ الإملاء تارة أخرى .. نَقتَرفُ جُرمًا لا يُغتَفر في حَقِّ اللغة والهوية، كما نُقلِّل، في الآن ذاته، من تقدير القاريء الكريم، الذي يمُدنا بالمدَد والقوَّة حتى نستمر، ونتَحمَّل عَنَاءَ الكتابة ووَعثَاء الأمانة!!
إنه ليَجبُ باديء الأمر -ولستُ أقصِدُك سيدتي أو أرميكِ بحجارة المعنى، حاش لله، وإنما أعمِّم- تصفية عقليتنا وعقولنا، مما فيها من أفكار سلبية ورُمَمٍ لا فائدة منها، حتى يصفو الجوُّ لتَعلُّم لُغَتِنَا، أوَّلاً، بكل أبجدياتها وفصوصها، وذلك لنَحيَ ونُحيي هُويَّتنا، ومنه نُعلِّي من شأنِ حَضارتِنا. وبَعدَها، لي ولك كامِلَ الحرية في أن نتعلم لغةً أخرى... أمَّا أن نتكلم بلغةٍ غير لغَتِنا ثم نَسِمَها بأرذل الصِفات ونَصِفَها بأقبح المُسمَّيَات... فهذا غيرُ مقبول بتاتا؛ بل من النَّذالة والحقارة بمكان ... وَللَّهِ دَرُّ الشاعر حين قال:
وليس من باب التعصُّب إن قُلنا: من تجرَّأ على التَّجنِّي عليها ظلما وعدوانا، فيجب أن يؤدَّب تأديبًا زاجرًا يقمع طلعته، ويُعرِّفه قدرَه، ويُلزِمْه رُتبتَه!! لأنَّ اللغة العربية "ما تزال فَتيَّة في نُضْج وعَراقة، متجددة في حيوية وعطاء ... لِمَا لها في طبيعتها من القدرة الذاتية، والمرونة العضوية، ما يتيح لها التعبير عن أدق المشاعر الإنسانية، وعن أكثر حاجات الإنسان الاجتماعية تنوُّعا وتعقيدا، بفضل وسائلها الكثيرة والمباشرة، التي تُيَسِّر لها أن تُنشىءَ صيَغا جديدة لافتراع الكلمات التي تلاقي الحاجات التي تعرض للحياة الانسانية من المجاز والنحت والقياس والتوليد والاقتراض والمواءمة .. الخ".
"إن اللغة العربية، في مقدورها أن تكون لغة هذا العصر، بكل ما يزخر به من علم وتقانة، ومعارف تتسع دون انقطاع، وقد أثبتت التجارب العديدة ذلك بالبرهان الساطع، ولكنها، شأن سواها من اللغات، بحاجة إلى عناية مستمرة وجهد يبذله أبناؤها، لتظل العروة الوثقى لهم واللسان المفصح المبين".
وحتَّى يكون منَّا بعض الإسهام في رفع شأن اللغة العربية، لغة القرآن الكريم. إليكِ -والدين نصيحة- بعضًا من التوجيهات والنَّصائح التي أرجو أن يتسع صَدرُك لها، وتقبلينها بقلب رَحْب، ونفس مطمئنة لا تجيش بها الخواطر ولا تنتبذ بها الهواجس والظُّنُون:
- تذكَّري دائمًا أن القراءة الكثيرة تحسن أداءك في الكتابة وتجنُّب كَيْدَ اللَّحن في النحو والصرف : الإملاء.
- تَمعَّني جيِّدًا فيما تَقرئينَه من نصوص ومقالات وتَدبَّري أساليب الآخرين في الكتابة والتعبير، كلٌّ من ناحية الصياغة والديباجة، حتى تُنَمِّينَ تلك الملكة اللغوية وتحسِّنينَ الذائقة الفنية ... فكلما تمعَّنا بمزيد من التَمعُّن رأينا ما لم نرَهُ من قَبلُ، ومن لا يتمعن لا يتغير، ومن لا يَتغيَّر يبقي في حِجرِ أمِّه يرضع وينتظر من يطرد الذباب عن عينيه!!
- لَزِمي معجما عربيا، حتى يكشف لك عن سرِّ الحوشي من الألفاظ، ويُميط لك اللثام عن الغريب من المفردات؛ يُذلل لك صعابها وخصائصها، قواعدها وأصولها حتى تتنكَّبي تلك الأخطاء الشائعة على ألسنة المثقفين والصحفيين، والمبسوطة في بحوثهم ومؤلفاتهم... فـكثيرا ما نجدُنا إزاء مطالعة لكتاب أو قراءةٍ لمقالة، في المتون أو في الهوامش، على عتبة كلمات غريبة، بعيدة المعنى، صعبة المنال، كأنها رموز وطلاسم!!
- "إن الكتابة الجيدة تكون صحيحة نحويًا، منظمة منطقيًا، تعكس شخصية كاتبها، وتثير اهتمام القاريء بما تُعبِّرُ عنه، وكيف عبَّرت عنه"... ومنه لابدّ من المراجعة بُعيدَ الانتهاء من تأليف بحثٍ أو تحرير مقالة؛ فالتدقيق حَصَانة لا غنى عنها لكل كاتب!!
- انتصري على الاجترار اللغويّ السّائد على مستوى الدَّوال؛ أعلني بيعتَك مع التّوليد والاشتقاق والقياس، مؤسِّسةً رؤيتك على أنّ ما قيس على كلام العرب فهو من كلام العرب .. ولا بأس بالتجديد، فإنَّ السِّباحة "في فضاءات دالّيّة غير مستهلكة تُدْهش القارئ، وتُسكنُه مَنازل الزَّهو على الرّغم من اختلاف المرجعيّات الأيدولوجيّة والمعرفيّة".
- أقول لك لا تيأسي "إنما البكاء على خَساسة الهمم" كما يقول ابن الجوزي، .. فليس صعبًا أن نبلغ المرام، ونحقق المراد، إذا كانت هناك عزيمة وإرادة .. و"لِّي بْغَا لْعْسَلْ .. إصْبَرْ لقْريصْ دْ نْحَلْ"؛ بل الأمرُ سوف يكون كما قال الشاعر:
فالصبر الصبر حتى ينقادُ لك خِطَامُ اللغة وتتحكمي في ناصيَتهِ، ومنه ستَجْنينَ غِبَّ صبرك لذةً لا توصَف .. ويَكتَسي العُودُ بَعدَ اليُبْسِ بالوَرَقِ.
وعليه، ما لا يُدركُ كلَّه لا يُترك كلَّه، لذلك أكتفي بهاته الإرشادات اليسيرة، مما أجملناه أعلاه، درءا للإكثار، والإطالة باعثةُ المِلال.
أخيرًا، إذا ما كنتِ تَعُدِّين كلامي مُجحِفًا في حقِّك ولو أنَّه ليس كذلك .. فاعلمي أن قانون مورفي -بغَضِّ النظر عن صوابه أو خَطَئِهِ- يقول: لن يُصغي إليك أحدًا حتى تقول شيئا خاطئا .-. وكلُّ المخترعات العظيمة .. أكتُشِفَت بالخطأ!!
وفي الختام أسأل الله جلّ وعلا أنْ يلهمني وإياكم الرشد والسداد، وأنْ يقينا الزلل والعِثار، وأنْ يجعل صوابنا أكثر من خطئنا ... ودمتِ، دُمتِ بألف خير !!

0 تـعلـيق/ـات:
أضـف(ـي) تـعليـقا .. أترك(ـي) أريجك