الأحد، 7 أكتوبر 2012

جنة الخلد .. قريبة لو كنتم تعلمون!!

جنة الخلد.. قريبة لو كنتم تعلمون
لا يلج الإنسان الجنة إلا إذا أتى ربَّه مؤمنا مسلما، سريرته صافية ونفسه طيبة، نقيا مئة بالمئة -بلغة البسطاء-؛ بمعنى أنَّه خالٍ من أدران الدنيا وأوساخها العفرة، غيرُ مُثقلٍ بالذنوب والموبقات، وغيرُ غارقٍ في وحل الرذيلة ولا عائما في حمام الخلاعة والابتذال .. {فمن يعمل مثقال ذرَّة خيرًا يراه، ومن يعمل مثقال ذرَّة شرًّا يراه} [الزلزلة:7-8].

لكن المرءَ، دائمًا وأبدًا، ليس معصوما من الخطأ، فبين خطوة وخطوة عثرة، وبين كلمة وكلمة زلَّة لسان؛ فلا يُعقل البتَّةَ أن تجد امريءً لم يحِد ولو مرّةً عن سواء السبيل، ولم يجنح قليلاً عن الحق، ولم يقترف قط ذنبًا. كما يستحيل بالمقابل ألَّا يرتكب أبدًا خطيئة، وألَّا يأتي جُرما يستحق العقاب ... هذه هي سنة الحياة، فمن الأخطاء -كما يُقال- يتعلم الإنسان!!

ولما كان العبدُ ضعيفا وإلى ربِّه مَرجعَهُ وإيَّابَهُ، فما خُلقنا سُدًى، منحه الله عز وجل إحدى عشرة وسيلة لدخول جنة الخلدِ رحمة وفضلا منه -سبحانه وتعالى- إلى جانب أربع طرائق في الدنيا وثلاث سُبل في غياهب القبر، إضافة إلى أربع أخريات يوم القيامة .. {أليس الله بأحكم الحاكمين؟} [التّين:8].. بلى، وأنا على ذلك من الشاهدين .. والجنة قريبة من عباده الصالحين!!

باختصار، إليك، عزيزي القاريء، الوسائل الأربع الخاصة بالدنيا، من أجل الاغتسال وتنقية الذات، ولتصفية الروح وتزكية النفس .. قبل أن يحلَّ بها القضاء ويضيق بها الفضاء، ومن ثمَّ إلى ربها المساق.

فأول وسيلة لتزكية النفس وتطهيرها من الدرن: التوبة النصوح، {يا أيُّها الّذينَ أمنُوا توبُوا إلى اللهِ تَوبةً نَّصُوحًا} [التحريم:8]. وهذه الأخيرة لها ثلاثة شروط، يجب أن تُستوفى حتى تؤتي أكُلَها كاملاً فتعود على صاحبها بالأجر والثواب، وهي كالتالي:

  1. الندم، أي أن تندم على ما بدر منك سهوا أو قصدا، وتؤنب ضميرك على استهتاره وتهاونه إزاء الخطايا والمعاصي.
  2. الإقلاع عن الذنب كليا، بمعنى اتخاد القرار في ألَّا تُبقي نفسك حبيسة الجرمَ نفسه، تتعاطاه كمخدِّر وتزاوله كعادة أو بدعة.
  3. العزم على عدم العودة مهما كان الأمر، إلى مسرح الخطيئة لإعادة تمثيل الجريمة أو تجسيدها مرَّة ثانية على أرض الواقع، في المستقبل أبدا.

أمَّا الوسيلة الثانية لتنقية النفس من الدنس: الاستغفار، من الخطايا التي لا يَذكرُ الإنسان أنه اقترفها أو فعلا سقط في شراكها وسَبَح قليلا في وَحْلِهَا، عن سابق إصرار وترصُّد، انصياعا لكيد الشيطان أو خضوعا لشهوات النفس اللوامة.

في حين الوسيلة الثالثة تقضي بـ: إعمال الحسنات، لأنها تَذهبُ بالسيئات وتَمحقُها مثلما تأكل النَّارُ الجفيفَ من الحطب.
والحسنات لا تكون عقِبَ صدقةٍ يَتَصدَّقُ بها الإنسان في سبيل الله على ذي مَسْغبَة من الفقراء والأيتام، وإنما هي كل عَمَلٍ صالح طيِّب يعود على صاحبه بالأجر والثواب ويَدرُّ عليه الحسنات والخيرات من حيث لا يحتسب، وذلك من خلال الصلوات الخمس ذات ثواب خمسين صلاة، والزكاة تزكية للنفوس. كذلك تلاوة القرآن الكريم إذ كل حرفٍ فيه يُعادل حسنة بعشر أمثالها، وإماطة الأذى عن الطريق، وغرس شجرة حتى يُتفَيَّأ بظِلالِها أو يُؤكَل من ثمارها، وأيضًا الابتسامة في وجه أهلك وأصدقاءك والكلمة الطيِّبة في حقِّ إخوانك وأحبابك، كلتاهُما صَدقَة ... هذا فقط قبسٌ من نور، {وإنْ تَعُدُّوا نِعمَةَ اللهِ لا تُحصُوهَا} [إبراهيم:34].

أخيرًا، ودائمًا في إطار الدنيا الفانية، إليك الوسيلة الرابعة المتعلقة بما يُسمَّى بـ: مصائب المُكفِّرة. فكلُّ مصيبَةٍ اُبتُليَ بها العبدُ وصبر عليها صبرًا جميلا، فاز فوزا عظيما .. قال تعالى: {وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ} [الأنبياء:35]، فالابتلاء بالخير يحتاج إلى شكر، والابتلاء بالشر يحتاج إلى صبر .. قال رسول الله خيرُ الأنام: « عجبًا لأمرِ المؤمنِ، إنَّ أمرَه كُلَّهُ لهُ خَيرٌ، ليسَ ذلكَ لأحدٍ إلا للمُؤمنِ، إِنْ أصَابتهُ سَرَّاءُ؛ شَكَرَ، فكانتْ خَيرًا لهُ، وإنْ أصَابتهُ ضَرَّاءُ؛ صَبرَ، فكانتْ خَيرًا لهُ » رواه مسلم، هذا من عظيم فضله تعالى وكرمه وإحسانه!!

والآن، إليك، أيها القاريء الكريم، الوسائل الثلاث المرتبطة بفَضلِهِ جل جلاله في تنقية ثوب النفس داخل القبر:

إنَّ السبيل الأولى تتعلق بـ: صلاة الجنازة على الميِّت من أمة الصَّادق المصدوق صلى الله عليه وسلم. فقد كان رسول الله عليه الصلاة والسلام إذا فرغ من دفن الميِّت وقف عليه وقال: «استغفروا لأخيكم واسألوا له التثبيت فإنه الآن يُسأل» رواه ابن داود عن عثمان رضي الله عنهما.
أمّا الوسيلة الثانية فهي: أهوال القبر، المتمثِّلة في ظلماته ووحشته ثم دوده وعسرته وتعبه... وغيرُ ذلك، أجرنا الله وإياكم من عذاب القبر.

في حين الطريقة الثالثة تلوبُ حول: هداية الأعمال، ويُقصدُ بها تلك الهدايا المعنوية والروحانية التي يُقدِّمُها الأحياء للأموات وهم في قبورهم، كالحج والعمرة فالصَّدقة ثم الدعاء... لكونها تصل إليه عبر قنوات الرحمة الإلهية.


وبعد حياة قصيرة، يقضيها الإنسانُ بعدَسِها وثومها وبصلها، تنتهي به بسكرة موت فمراسم الجنازة ثم طقوس الدفن. يعود المشيِّعون ويتركوه وحيدا، لا رفيق يؤنسه ولا صديق يواسيه. لم يبق معه سوى عمل صالح أو صدقة جارية أو دعوة ولدٍ بار طيب.
تمرُّ الأهوال ويطوي الله الأرض وما فيها، فيَحينُ موعد الصَّاخَّة، يوم حيث لا يعرف المرءُ إلا نفسه ولا يهمُّه أمرَ غيره؛ لكل امريءٍ يومئذٍ شأنٌ يُغنيه، تأتي نِعمُ الله عزَّ وجلَّ رحمةً ورأفةً بعباده المؤمنين لتخفف هَوْلَ القارعة عليهم وتهديء من رُوعهم.

على أيٍّ، تنحصرُ أحوال القيامة في أربع فُرَص للزيادة في تطهير النفس من الذنوب، لعل المرْء يستفيد منها ويدخل الجنة بوجه مُسفِر ويعيش عيشة راضية.

فالسبيل الأولى، وإنعاما من الله جلَّ جلاله، جعل: أهوال يوم القيامة مكفرات للذنوب وممحقات للخطايا.

والوسيلة الثانية هي: الوقوف بين يدي الله تبارك وتعالى. الله أكبر!! إن مجرَّد الامتثال لأمره سبحانه تعالى والوقوف بين يديه لهنيهة، للحظة، قبل الشروع في الحساب والجزاء على الأعمال والأفعال، يَغفرُ فيها جبالاً من الذنوب والمعاصي.

بينما الوسيلة الثالثة هي: شفاعة صلى الله عليه وسلم. أمنية الرسول عليه الصلاة والسلام التي أبى أن يتنعم بها لوحده في الحياة الدنيا الفانية، فضَّل أن يتركها أو استأثر أن يؤجّلها إلى يوم الحساب حتى يشفع في إخوانه وأمته التي أمنت به دون أن تراه، ويهدي لهم جواز السفر وبطاقة الولوج إلى جنة الخُلدِ.

وأخيرًا، الفرصة الرابعة: عفو الله سبحانه وتعالى. يقول عز وجل في كتابه العزيز: {نبِّىء عِبَادي أنِّي أنا الغفور الرَّحيم} سورة [الحجر:49]، لا إله إلاَّ الله، وحده لا شريك له، له الملك والحمد وهو على كلِّ شيءٍ قدير. فعن سلمان الفارسي قال: قال رسول الله عليه الصلاة والسلام : «إن لله مئة رحمةٍ، فمنها رحمةٌ بها يتراحمُ الخَلْقُ بَينَهُم، وتِسعةٌ وتِسعُون ليوم القيامة» أخرجه مسلم في صحيحه، لذا فضله سبحانه دائما غير ممنون وكرمه أبدا غير مجذوذ، بل مُنقطع النظير، فرحمته تعالى سبقت غضبه مِصداقا لقوله صلى الله عليه وسلم إذ قال: «إن الله كتب كتابًا قبل أن يَخلُقَ الخَلْقَ أنَّ رَحمَتي سَبقت غضَبي، فهو مكتوبٌ عندَه فَوقَ العَرشِ» أخرجه مسلم والبُخاري في صحيحيهما. فللَّهِ الحمدَ على فضله وإحسانه!!

وقبل أن أنهي قولي، التوبة التوبة النصوح -أصيكم بها وأُصي نفسي- كلما تعثرت النفس اللوامة، وتلفّعت بالذنوب أو غرقت في وحل الموبقات أو عار الرذيلة .. فباب الرحمة، أختي، أخي، أيها القاريء الكريم، دائما وأبدا مفتوح على مصراعيه!!


0 تـعلـيق/ـات:

أضـف(ـي) تـعليـقا .. أترك(ـي) أريجك