الأحد، 31 أكتوبر 2010

بـهتان قناة الـجزيـرة

تـم استدعائي لحضور (مأدبة) غذاء عند أحد أصدقائي الأعزاء، بعد أخذ ورد .. استسلمت للأمـر؛ ذهبنا إلى منزله حيث استضفنا في بيتٍ منقسم إلى قسمين، إذ هناك جهة خاصة بالطبخ وإعداد الطعام ومتسع للمغسلة والثلاجة، وجهة ثانية مفروشة بحصير عليه بعض الزرابي للضيافة والجلوس يتواجد في أحد أركانه جهاز التلفاز. على كلٍّ جلسنا ثم تبادلنا أطراف الحديث موازة مع ما يعرض على الشاشة الصغيرة وارتشفنا من المتعة قليلا، حتى استوقفنا خبر طفق الإعلامي ينثر حيثياته في تقرير موجز، مفاده أن السلطات المغربية قامت بتعليق نشاط قناة الجزيرة بالمغرب بعلة أنها استوردت آليات إلى إذاعتها دون أية رسوم قانونية ودون أخذ تأشيرة الإذن على ذلك .. كما أنها بالغت بالأساس في خدش صورة المغرب إثر العديد من التجاوزات وأنها لا تحاول أن تصحح الوضع بعد أن توصلت القناة المذكورة بمجموعة من تباليغ تُـعلمها بحقيقتها، وأن عدم استجابتها لهذه الأخيرة، يدل على أن تلك التجاوزات تقوم بها قصدا وعمدا ..

كنتُ أتابع الأمر بشغفِ طفل مهوس، أداعب كلمات التقرير وبسمة ترتسم على محياي وفرحة تـستشري في عروقي رويدا رويدا .. فلأول مرة أشعر بأن الشاشة المدللة تقدم شيئا يستحق المتابعة .. فهذا النبأ جاء كصاعقة للبعض كادت أن تذهب بأبصارهم في قضية تبدو ولا زالت في حضرة الجدل والدراسة .. فبدؤا يحللون ويفسرون كأن لهم دراية عميقة بالموضوع، أخذ بموجبها يبترون ويبتسرون أحكاما ويحدّون حدودا وعلاقتها مع إشكالية حرية التعبير .. في حين أن الأمر بعيد كل البعد عن هذا المقام .. والبعض الآخر بدا يستشعر برمق العدل أن حيف هذا القرار أخيرا لا يُتّخذ في حقهم وحدهم، خصوصا ذوي الإعلام السمعي والمكتوب .. فكم من جريدة تم وقفها، وكم من العقوبات فُرضت ظلما وعدوانا، وكم من المتابعات القانونية هدمت إصرار أجهزة الإعلام والإعلاميين .. إننا لا ننكر أن السلطات تمارس في بعض الأحيان سياسة القمع والترهيب في حق حرية التعبير، رغم تـشدقها بكونها دولة ديموقراطية -ككل الدول العربية- ولا تتبع هذا الأسلوب العدواني في ذات الإعلام سواء كانت بصرية سمعية ومكتوبة .. لكن هذا لا يعني أنها بالمقابل لم تقطع شوطا مهما، ولم تـحرز تـقدما ملموسا في هذا الميدان .. فـشتان بين زمان الرصاص والقمع وزمان الإنصاف والمصالحة .. لقد بادر المغرب حقا في رفع ظلم طالما عانى منه الكثير .. حرية في تقصي الخبر ، وحرية في التعبير بتلقائية بريئة وعفوية تامة ، حرية في صراع قضايا شائكة وحساسة .. وغيرها من الحريات التي لازالت الأغلبية تجاهد في استردادها لكي تستحم في بحرها.

وللمزيد من المعلومات حول هذه القضية، قررت أن أعود إلى التي تعرضت لهذا التوقيف -الذي لم يسبق له ناظر في المغرب- حتى أستمع إلى رأيها ووجهة نظرها في النازلة ووقعها على الإدارة المركزية للقناة؛ حسناً، عدتُ بخفي حنين إلى منزلي فألفيتُ أخي الأصغر ينتقل ذهابا وإيابا بين القنوات الفضائية العديدة، لتزداد عقدتي في أن التلفاز في القرن واحد والعشرين يكرس نفسه لتصنيع عقليات مستهلكة، استسلمت لأمطار من الصور "مجردة غير خالدة تنتهي بانتهاء اللحظة" كما قال أرسطو، فقط عالم من المتعة واللذة الجوفاء .. لا إفادة ولا إستفادة .. استهلاك مستمر للمعلومة لكنه لا يغني ولا يسمن من الثقافة والعلم كما أردف الآخر .. استسمحتُ أخي، وقفزت مباشرة إلى قناة الجزيرة .. فرحتُ لما وجدت فترة الأخبار لم تنتهِ بعد، فلا زالت تباشر نقلها لمستجدات الملف النووي بإيران وتداعيات إفتاء نصر الله بمقاطعة الحقوقيين الدوليين... ما هي إلا هنيهة وجيزة حتى ازدادتُ حبورا حيث ما كنتُ أنتظره طفِق المذيعان يعرضانه بشكل مفصل شيئا ما، فقد بينا الأسباب التي أدت إلى تعليق نشاط قناة التابعين لها في عوارض مختصرة، وكلما ذكرا عارضة إلا واستبقاها بعبارة ’’تزعم‘‘ كأنهما ينفيان ضمنيا فحواها أو بالأحرى هذه الاتهامات. ومما يبدو أنها كثيرة وقد تكون هذه الأخيرة قد قامت بتجاوز هذه المقتضيات المزعومة -على حد تعبيرها- وفق المسطرة القانونية التي تجمعها بالمغرب، الأمر الذي يخول للسلطات أن توقفها عند حدها وتمنع من استهتارها وتلاعبها بكرامة ومصلحة المملكة المغربية شعبا وملكا. وقد يكون العكس صحيح، وهذا يبدو ظاهريا غير صحيح بالمرة، فبحكم متابعتي للأمر ومقارنة مع المدة التي حرصتُ فيها على تتبع هذه القناة لما لها من صيت عالمي، وجدت القناة دائما تجاهد في تطميس حقيقة الخبر من جهة أو إعادة هيكلته في بعدٍ براغماتي من جهة أخرى أو تقرر ألا تنشره بتا على أثير إذاعتها من جهة ثالثة، كلما تعلق الأمر بالمغرب، وهذا لا يدل إلا على أن القناة لها شراكات مع جهات أخرى -ربما- وتـتّبعُ سياسة لا تتوافق مع الكل أو تـعارض استراتيجية المغرب في انفتاحه على العالم وتقديمه لصورة أفضل عنه، ناهيك عن تغافلها في تحليل الأحداث بكل حيادية وموضوعية لما يكون المغرب في أحد الأطراف. وخير دليل تلك الخطوط الوهمية التي تقسم بها خريطة المملكة إلى جهتين كأننا على بقاع القارة الأمريكية شمالية وجنوبية، وهذا يبدو غباءا من جهاتها كقناة عربية، خاصة وأن القضية لم يحسم فيها القانون الدولي بعد، وهذا، في حد ذاته، لا ينفي أن الصحراء مغربية حتى يأتي أحد من أهلها خليل .. يبين الصحيح واليقين بالاستدلال الأثيل .. يـُهتك حرمة اقتناعنا الجليل بـوصمة الإفك الذليل. لذا لابد لها أولا وأخيرا أن تحتكم إلى القاعدة التأصيلية «إن كنت ناقلا فالصحة وإن كنت مدعيا فالدليل».. وإني لأراها في فعل هذا الأمر سوى تشبهها ومحاكتها للقنوات العالمية الأخرى الواهية. وعلاوة على ذلك، هناك قضية انتبه لها الكثير وهي أن هذه القناة التي تزعم أنها تمارس إعلامها باحترافية في طرح الأنباء، لم تقم بـدعم إخباريا قضية سياسية لها علاقة وطيدة مع حرية التعبير التي يستنجدونها ومع قضية الصحراء المغربية .. أقصد أنها لم تحاول مواكبة موضوع اختطاف مصطفى بن سلمى بن سيدي مولود من طرف عناصر البوليساريو ولو بعرض جل التظاهرات والاحتجاجات التي تزعّمها أناس من مختلف الأقطار خصوصا الجمعيات الحقوقية المتواجدة هنا وهناك، كما فعلت أو مقارنة مع المساندة الإعلامية الرسمية التي قدمتها للـخائنة أمينة حيدر حين أقامت الدنيا وأقعدتها لما اعتصمت هذه الأخيرة وتم طردها من ديارها غصبا وعقابا على اخيانتها اللامقبولة.



ومما زاد إعجابي بهذا القرار بتعليق نشاط الجزيرة كونها تعتبرني مشاهدا غبي ومتابع لحصريـاتها أبله أو تحاول استغبائي كمستهلك لا فرد فاعل ومنفعل، عاقل ومتعقل تجاه تقاريرها الإعلامية. لطالما كنت أشك في هذا الموقف .. لكن اليوم تأكدت من قول البعض أمثالي أن الجزيرة خبيرة في مجال الانتقاء والاختيار في إطار خدمة وتعزيز مصالحها، أقصد أنها لمّا تنوي أن تقوم باتصالات مباشرة ليس مع مراسلها إزاء حدث من الأحداث، بل مع كيانات بشرية أخرى سواء كانت في الحقل السياسي أو الاقتصادي والاجتماعي... وغيرها من المجالات، تختار أناسا حينا لهم دراية بالموضوع ومختصين فعلا في المجال الذي هم فيه مطالبون بتقديم توضيحات وتصريحات حتى يُـزال الغبار عن المسألة المُناقشة؛ لكن في أغلب الأحايين تستدعي شخصيات لا شأن لها، لا مقال ولا مقام، يرسمون ويخططون محللين ومفسرين عظماء .. يبرمون ويتقوّلون أقوالا لا وزن لها ولا فائدة لكي تستشهد بها، في أخير المطاف، القناة بعلة أنها آراء ومواقف تخص أصحابها ولا تخص الجزيرة. فعلا هي مجرد آراء ومواقف ليس علينا إلا احترامها، لكن أن يتقصد فيها المعبر التحريش ويتقصد إثارة فتنة عصبية تقصدا .. فلا داعي لسماح له بالكلام ورشق عقول مفكرة وآذان صاغية بالتفاهات والخزعبلات. فنهجها هذا الأسلوب لا غرو فيه، فمصلحتها هي العليا ومباديء الآخرين هي السفلى. لهذا استضفت مواطنا في اتصال هاتفي -ارتشته ربما- مما يبدو لي من وجهة نظره التي لا ترقى لتكون على لسان مثقف يعلي من قدر كلمة الوضاءة. والغريب في الأمر أنه لا صلة له بالموضوع سوى أنه متابع مجتهد لبرامجها، كما أن رأيه -شخصيا- يدخل في سياق "الرأي والرأي الأخر" شعار الجزيرة نفسها، لا يغني ولا ينفع سوى قذف السلطات بالبهتان وتبيان على لسان مفسرنا العظيم -الذي يمتهن مهنة مساند لقضية فلسطين والعراق- أن أجهزة المملكة -لطالما كانت في حد تعبيره- تمارس ضغوطات في حق الإعلام السمعي والبصري المكتوب، خاصة فيما يتعلق بمحور حرية التعبير.

ماذا عساي أقول وأنا أمتعض من هذه المواقف الجوفاء في ذات وطني الحبيب .. قد أبدو متعصبا أن الرأي لا يتماشى مع أغراضي الشخصية ونيتي الثقافية والوطنية .. لكنني على يقين بأني على صواب لما أناقش الموضوع وفق وجهات نظر مختلفة ومن مختلف الجهات حتى أظهر موقفي أنا بالذات - كالآخرين- تجاه هذه الجزيرة النائية، على منوال : لو استدعتني القناة مكان هذا المساند .. ماذا عليّ أن أقول في مكانه ؟! هل أوافق تساؤلات المذيعان أم أعارضها ؟! إنه فقط مجرد افتراض -أعلم أنني لن أكون في ضيافتها يوما :)-. لهذا أقول رأيي من وجهة منظاري هنا بكل تلقائية وعفوية وأملُ ألا يزعج غيري ويحلل بنود مقالي كما فعلت لمضيف قناة الجزيرة .. ولكم واسع النظر !!.

0 تـعلـيق/ـات:

أضـف(ـي) تـعليـقا .. أترك(ـي) أريجك