
لهذا يُعرِّفُ البعض الفن، لمّا كان على درجة من الميوعة والرَّحَابة بحيث يعسُر انضباطه ولا يكاد يتَأتَّى الإمْساكُ به إذ تُسَاءَل تُخومَهُ؛ فهو مُتعدِّدُ المظاهر والتَّجلِّيَات ومَبْثوثٌ في كل مَناحي الحياة، بأنه "هو ما يُخرجُه الإنسان من عالم الخيال إلى عالم الحس، ليُحْدِثَ في النفس طربا أو إعجابا أو تأثيرا بالجمال"(1).
على أيِّ، الفنٌّ يَسعى جاهدًا نحو إعادة صياغة الأشياء المألوفة ذات طابع مادي كاللوحات الفنية والقصائد الشعرية والأنغام الموسيقية، "على الرّغم من عدم قدرة المرء على لمس النغمات أو الكلمات الشعرية، إلا أنه قادرٌ على لمس الألة التي صنَعت أو خلقت هذا العمل الفني سواء أكان بيانو أو قلما أو شيئًا من هذا القبيل"(2).
أما الغناء فهو ضربٌ من ضروب الفن، يسمو بالذات ويرتقي بالوجدان نحو عالم المرح والاستمتاع؛ نحو بوتقة الكلام الجميل ينصهرُ فيها الذوق والطَّرَب. فالغناء يرفع عن الحياة حَيْفَ الملل ووَكَفَ الضّجر، ويحثُّ دِمَاء الرُّوتين على الجِدَّة والتَّجَدُّد؛ لا غرْوَ إذن في كونه يقوم بهذه المَهَام، فهو يقوم على نَسْغِ الحرف ويَعتَمِدُ الكلمة الطيِّبَة المَبثوثة بين تَضاعيف الزَّجَل والمُنتَشِرَة بين دِفَّتَيْ الشعر؛ فالشعرُ فنٌّ مُقفّى أو نظمٌ مُسجَّع بدونِهِ لا معنى للغِناء.
الغناء ليس مُجرَّد أصوات أو دَنْدَنَة أو تَلحِين أو نوتات صوتية تعلو وتتمدّد وأخرى تنزل وتنْخفِض، بل إنه، قبل كل شيء، موهبة ثقافية ومشروع للتَّعامُل مع الذات والإنسان في آن. ومتى كان الشّعرُ راقيا ومُعبِّرا كان الغِناءُ عَذْبًا سَلسَبيلا، تَسْتَسِيغُهُ الذائِقَة الإنسانية بِيُسْرٍ وشَغَف وتَغرق فيه إلى حد الطّرب.
ومنه، بالتالي، يكونُ كلٌّ من الكلام المقفّى الجميل واللَّحن الشَّجي الرَّخيم، أي كلُّ من الشِّعر والغناء، وجها واحدًا لعُملةٍ فَنِّية واحدة، بمعنى أنَّهما من الفنون الجميلة: الموسيقى والتصوير والنَّحت والشِّعر. فالشاعر يركنُ إلى موسيقى مُنزويّة في انسجام العبارات واتِّساق الكلمات، يُصغي إلى هسيس الطبيعة وهمس الحياة، وتُناجيه النفوس الهائمة الحالمة والخُنابِس والخُلابِس من الذوات، كما يصيخ السَّمعَ لعزيف الجن ولنشيج الإنس. بينما المُغنِّي يشدو بفواصل الشعر ويترنَّم بقوافيه، يتلذَّذ بالأصوات الشَّجيَة ويطرُب بالإيقاعات الساحرة ويهيم بالصور الجيّاشة والظلال الفاتنة. إنَّ "الموسيقى هي التربة المشحونة بالكهرباء التي تحيا فيها الروح، وتفكر وتبتكر" على حد قول بيتهوفن(3).
وعليه، السُّمو بالذَّوق العام إذن يَتطلَّبُ جودةً فكرية وأذنا موسيقية حتى يخرُج العمل في أبهى وأحلى سيمفونية، يطربُ لها الكبير والصغير، الشباب والشِيَّاب، النساء والشيوخ ... لأن السّمو بالذوق هو الفن وما دونه هراء!!
غير أنَّ هذا الذي خلُصْنا إليه أعلاه، صار عُملةً نادِرة وتجارةً خاسرة حيث بات الذوق العام لا يُعوَّل عليه في فنِّنا المُعاصر، فَـقلَّما تجد فنَّانًا يُراعيهِ بالشَّحْذِ والصّقل، يهتم به أيَّما اهتمام. بل يُدركُ أن الغِناءَ صُداعٌ وصراخٌ وبكاءٌ وعويلٌ، إن لم يضع الذوق العام قُبالتَه يُبصِرُهُ ويحترمُهُ، وإن لم يَعُدِّ العُدَّةَ كيلا تَختلُّ مَوازيـنُهُ.
وانحطاط الذَّوق العام يَعود لعدّة أسباب، تُعدُّ رئيسة لا محالة في المعادلة الغنائية. وقبل أن أشير إليها أودُّ أن أُبرِزَ نوع العلاقة القائمة بين الشاعر أو مؤلف الكلمات والمُغني. لقد تناولتُ آنِفًا طبيعة العلاقة بين الشعر والفن، ومنها أوضحت أن ثمّةَ علاقة وطيدة بين الغناء والفن. فكاتبُ الكلمات يُؤلِّف ويَنظُم عَذبَ القَصيد، حتّى يَصدَح بها المغني بموجب اتفاقية أمام جمهوره الذوَّاق العاشق لأسلوبه الغنائي. وعليه فإنَّ العلاقة بينهما تقوم على الوساطة من أجل الشهرة والربح، حيث يصيرُ المغنّي وسيطا بين الكاتب الشاعر والجمهور العاشق. وهما في توجههما إلى هذا الأخير يهدفان إما إلى الشهرة وإما إلى الرِّبح وإما هما معًا.
فالجمهور هنا يلعب دور المجتمع، إن جاز لي قول ذلك، وإقباله على أغنيات هذا المغني دليلٌ على الجودة الفنية والذوق السليم على الرغم من وجود العملية الربحية. تُرى ماذا سيحدث لو كان العكس؟! وهنا أفتح الباب لأُتمِمَ وأعرِض الأسباب التي أفسدت الذوق العام واتجهت به نحو الانحطاط والانهيار:
أولا، كاتب الكلمات لا يهتم بما يشغل بال المجتمع أو بالأحرى لا يُبدع ولا يبتكر؛ يفتقر إلى تقنيات كتابة شعرٍ يرتبط بالواقع أو يسمو بالمشاعر ويرتقي بالروح والوجدان. فقط تجد كل ما يَنسُجهُ غُثاءً أحوى لا يرقى لأن يكون شعرًا بَلْهَ أن يُتَغنَّى به ...
ثانيا، المغني يفتقر إلى حَنجرة صوتية ذات صوتٍ رخيم .. فهذا يؤثر سَلبًا على القصيدة المغنّاة على اعتبارها جيدة وفيها ما يسدُّ عطش الإنسان للفن الراقي والصور الجميلة والتعبيرات الفنية الخلَّابة .. فالصوت الشَّجي له قيمة مُضافة على مستوى الذّائِقَة الفَنِّيّة .. والغِناءُ بِدُونهِ نشَاز !!
ثالثا، المغني ينتهكُ اتفاقية الذوق السليم ويَجرُؤ على كتابة الشعر وهو لا يَفقهُ فيه شيئا، وبينه وبين إتقانه عشرون ألف سنة .. تراه يشرع في التقاط صور مبتذلة وتشييد قصيدة تمشي حافية القدمين، هذا إن لم نقُل عارية من رأسها إلى أخمص قدمها.
رابعا، ارتبط الغناء بما يُسمى "الكْليبْ"، وهو مُحاولةٌ لاحتلال الذِّهن بالصّوت والصورة بُغْيَةَ الشُّهرَة من أجل الرِّبح. فـحتى لو كان الغِناء جميلا والكلمات رائعة فيها ما يُطربُ ويُمتِعُ النَّفس، من خلال موسيقى تتماهى مع ذائقة فنية وجدانية لذات المستمع المستمتع، يأتي "الكليب" فيُفسدُ كل شيء عبر صور ماجنة وتمثيل زائف ... فالأذن تُصغي وتولي إدبارا لمَّا تَشعُر بأنّ العين تَمْتَعِض مما تراه وتنفُرُ منه. من المؤسف أن الرَّقصَةَ عندنا أصبحت صورة جنسية فقط فشوَّهت الذوق. بينما قد اتخذت لها، بعد تحديد الأخلاق مراميها وأهدافها، عند اليونان صورة مُفعمَة بالشعرية، وفي طقوس بعض الأديان لوحة تزخر بآي التصوف.
أخيرا، أضحى الغناء مِهنةً لمن لا مِهنةَ له؛ مُعظم النّاس يُغنُّون ويَرقصون، يُطلِقون العِنان لأنفُسِهم لتَجْتازَ حدود التّعبير بـفنٍّ لا هُويَّةَ له، فقط من أجل إثبات الوجود عن طريق الشُّهرَة أو بالأحرى ممارسة التِّجارة بتسويق تـخَربِيقَهُ وهذيَانهِ لَعلَّـهُ يُصبح مغنيًّا في سبعة أيام على حساب الذوق السليم والفن البديع.
نحن لا نُنكر أنَّ هناك فعلاً من يَتوفَّر على الموهبة الفطرية ولديه إمكانات لا بأس بها، ستُمكِّنُه من صِنَاعَةِ اسْمِهِ الفني على أُسٍّ ثابت. وذلك لا يتأتّى إلا لمن عُنيَ جَيِّدًا بموهبته وحثَّها على الكد المتواصل والجهد المستمر، حتى تَزول الشَّوائب منها وتَنصَقِل عاكسةً شُعاع لبِّهَا ورُوحَ مُخِّهَا. ومنه جلاء آثارها ووضوح نتائجها.
أمَّا أن يقتصر "الفنَّان" على الموهبة فقط دون صقلٍ ولا تشذيبٍ بُغيَة إنعاش قلبها وإحياء روحها، وكذا تمكينها من آليات جديدة وتزويدها بخبرة واسعة، حيث جميعها تُعينُه على الاستمرار وتضمنُ له البقاء؛ فحَتمًا مماتُه سيكون قريبًا وانطِفاءُ نورهِ لا مَحالة واقع!!
لذا لابُدَّ من تلك العوامل: العمل الثابت، الاجتهاد في البحث والانتقاد بقَصْدِ التحسين... أن تتوافر حتّى ترتقي الموهبة فيسمو الفن، لا أن تُحرَق بالكسل والخمول فتَغشاها ظلمات النسيان، ومنه، كما هو حاصل الآن، سقوط موجع لقيم الفن وانحدار سافر لأخلاقيات الجمال نحو القاع!!هوامش ومصادر:
1- موقع تِبيَان.نيت؛ المقالة: تعريف الفن؛ تاريخ التحرير: 27/07/2009؛ الرابط: http://goo.gl/gANCh
2- ويكيبيديا، الموسوعة الحرة، بتصرف؛ المقالة: علم الجمال، المحور: الجمال والفن؛ سنة التحرير: 2009؛ الرابط: http://goo.gl/p2Dpo
3- بنيلوبي مري: العبقرية، تاريخ الفكرة؛ ترجمة: محمد عبد الواحد محمد؛ ص: 242؛ سلسلة عالم المعرفة، العدد: 208، أبريل 2000 - الكويت.

2 تـعلـيق/ـات:
السلام عليكم و رحمة الله و بركاته ,رمضان كريم و كل عام و انت بخير اخي الكريم
اردت ان اعلق على تعليقك
بقولي اني لست بحاجة ان تلتمس لي عذرا بل سبعين عذرا
و لو كان تعليقك اكثر لطفا و لينا مما كان عليه
لفتات لم تتم السنة على تحريك قلمها
و لو عرفت مستواي اللغوي قبل سنة
على العموم شكرا لمرورك من هناك
دمت بود ^_^
عزيزتي يُسرى ..
لَا يسعُني سوى أن أقول: إن الخَطأ لا يَتحرّج من أن يَقبَع بين فصوص اللغة -ينفلت من الرّقابة اللغوية والحصانة النّحوية- على الرّغم من أنّنا نهرب منه ونفرُّ فراراً ..
ولمَّا كنت أمتعض من رؤيتهِ –الخطأ- مختبئا، جالسا، قابعا بين الكلمات، منتَصباً بين السطور ينظر إليَّ شزراً، ويضحك بملء سخريَّتهِ، ناهيك عما أضفاه على النص من القبح والابتذال .. أجدني على أهْبَة لأخبرَ ضحيَّتهُ بالجريمة التي أتاها في حق اللغة والهوية .. لهذا حينما أكتب أنفعل مع ما أكتب، فيأتي جوابي مليئا بسمات العتاب، وآيات اللوم أحيانا، فكل ذلك مردُّه الغيرة والتنبيه على الغفلة .. لا غير!!
على أية حال، قصدتُ إخبارك بما رأيت وإعلامك بما وجدت في مندوحة قصيرة هي أقرب إلى عتابٍ أو لومٍ منهُ إلى انتقاصِ حقك وإبْخاسِ قدرك أو تقريعٍ وتَكْليمٍ وانتقاد.
أشكركِ على الرّد، رغمَ مَجيئهِ مُفحمًا بطاقةٍ شعورية تلقّفتُها وصدري عارٍ. لا بأس، فقد فتحتِ لي نافذة لأنظر عبرها إلى الفضاء، ومنها أنطلقت في تحبيري تدوينةٍ هي عبارة عن رسالة قصيرة؛ أوظف فيها بَعضاً مما لقَيتُه منثورا من الدرر، وبعضاً كثيرا مما تعثّرتُ به في بقاع هاته "القرية الصغيرة". الرسالة إليك قاصدة أولا؛ لأنك أنت من حمل الفكرة إليَّ، فحاولت إخراجها إلى الوجود لترى النور، ومن ثمَّ تفتح ذراعيها، ثانيا، لكل مُحب للغة الفصيحة، ومُقبل على النّهل من بحرها. بكل بساطة، هي رسالة مِلؤها الحب والود، ودستورها النصح والتوجيه، ومرجعها الغيرة والخوف.
سأنشرها – إن شاء الله- وستَجدينَها –أيتها الطيِّبة- والقاريء الكريم ذات شحنة من قبيل اللوم وربما التقريع .. لذا أرجو أن تقرئيها بقلب رحب، وسعة خاطر ... كما أنني لستُ أقصدُ عبرها سوى التعبير عن رأيي .. ولكل من يُخالفني كامل الحرية ليناقشني...
وأخيرا، رمضان أبرك لنا ولك، ليجعله الله عليك رحمة ومغفرة وعتق من النار! العيد آتٍ فليدخله الله عليك باليمن والبركة!
لكِ كل الود والورد .. يُسرى!
أضـف(ـي) تـعليـقا .. أترك(ـي) أريجك