الخميس، 3 أكتوبر 2013

الصداقة المشبوهة


أحتجُّ لا لشيء .. حينما ترميني الصُّدفُ في ضيافة خيمته!

ألتقي به على غفلةٍ مني، فأسأله عن أحواله، وأطمئِنُهُ عن حالي. بعد أخذٍ وردٍّ، يُعاتبني على اختفائي بين فينة وأخرى، يظنني أنني مِلكُ يميني، فالإنسان –كما قال قائل والعهدة عليه- مُسيّرٌ فيما لا يعرف ومُخيَّرٌ فيما يَعرف. وحتى أدفع عني مغبة اللُّومَى، ابتسرتُ أعذارا ومعاذيرا: [سلَّك خيَّط] و [غي مع الوَقت]... تُرَّهاتٌ مٌقتَنع بها مادامت تُخرجني من ضيق السؤال، وتغنيني عن طول الجواب. طفقت أنثرها عليه حتى يرحمني من مَلاومهِ أو حتى أتجنب، ببساطة، دعوته لي من جديد؛ فهو يدعوني منذ مدة إلى مشاطرته غرفته –ولو لساعات معدودات- في مركز إداري يشغل فيه مهمة الحراسة- درءا للسَّأم والضجر، اللذان يحلان عليه كلما تمدّد على سريره مُختليا بفكره ووحدَته ...

حتما لا أفضل العزلة، فأنا كائن اجتماعي بالفطرة؛ أبحث عن الجماعة كل حين، وما إن أجدها أثبّت أوتادي وأبني خيمتي .. لكن سرعان ما أهجرها تاركا إياها خاوية على عروشها .. فما في يدي حيلة، مُجبرٌ أخاك لا بطل!!

على الرّغم من ذلك، أظنني -صراحةً- (قد) فقِهت سر تعنُّتي وإعْناتي. عجيبة -حقا- هذه النفس وغريبة هذه الحياة، فأنا أفعل هذا، بلا عِوَج ولا أمْتٍ، لسببين أو ثلاث:

فالأول مردُّه إدماني على الحاسب الألي؛ لا تفرقني عنه إلا الضّرورة –ضرورات الحياة: الطعام، والاختلاء، والصلاة طبعا-. فكيف أفطِمُني -وأنا كالرضيع- معتصم بحليب "النت". لَا أقبلُ بغير حضنه مُنذ أن حُرمْتُ من عناق أمي، حتى ولو ما زلتُ مُتمَسِّكًا بعروة حبل الحنين المقدس. طقوسي وعاداتي، ابتهالاتي وتأملاتي .. عبادة أتقنها بين أركانه الخمسة: وحي الشبكة، رسالة الشاشة، طواف الفأرة، دعاء لوحة المفاتيح، وذاكرة الحاسب سِفرٌ عظيم.

لعل السبب الثاني كوني صديق منذ الأزل لـلَعنةِ الخيانة؛ فدائما ما أجدُني في حضرة الغياب، إذ كلما تعرّفت على أحدهم، أعقِدُ معه عَهد الصداقة، ومن ثمًّ أتركه -دون أدنى صرخة- بعد أسبوع على الأقل أو شهر على الأكثر.

ليت شعري، ربما حكاياتهم تتشابه عليَّ فتعزلني قبل أن تمارس معي سياسة "ارحل"، أو فقط لأنها تصيبني بالملل والخبَل؛ فالكلام مرض يُعدي، ينتقل عبر الهواء، ويلتصق بكل عقل وقلب بهما فراغ وخواء. لهذا الديكتاتورية ألحَّت إلحافا على تفعيل دستور الصمت، وأشاعت عنه عظات وحكم من قبيل: الكلام من فضة والصمت من ذهب!

وربما السبب الثالث يرتبط بخجلي المرهق؛ بطاقة من نصف هوية أتداول بها قبل الاندماج مع البشر، ونضج العلاقة. أجل، خجول أنا عند الالتقاء، وجريء عند الانفجار .. وقد قيل إن "الأشخاص‬ الأكثر خجلاً، أذكى وأكثر جدارة بالثقة"!!

هكذا... أقف على استحياء أمام الأراء التي تداعب أذنيَّ كنسيم الصبا وعطر الندى، حتى أمام تلك التي تهب في وجهي كإعصار ... لَا أحرّكُ موافقا على كل الأفكار، أزدردُها بنهم، لمَ المعارضة؟ أومن بحرية التعبير، وأدنى فكرة تسير عكس التيار -بالنسبة لي- سبيكة اعتراض؛ بل ضد التعبير والديمقراطية ذاتها...

في حضرتي الجميع يتكلم بتلقائية، ويعرض رؤيته بعفوية .. أصغي لمعرض صوره بحماسة، وحالما ينتهي، أمسك يداه بحرارة وأوقّع على صفحة نباهته ونبوغه. أتدرون لماذا؟ .. لأني أشجع شرعية التفكير، وأحترم من يعتكف في محرابه.

شريط أعيد تكراره مرارا، وحجج مسبوكة كفاية أخدعني بها كلّما تذكَّرتُ رفيقا، شاءت الأقدار أن يكون في مرمى رَصاصَتي .. فأرْديهِ قتيلا في نشرة أخباري لأمَكِّنَ عُكَّاشَة النسيان من احتلاله، ولو إلى حين!