الجمعة، 25 مارس 2011

المُظاهرات الشعبيّة والقناة المغربية

الحوار الأمثل، شعارٌ ما تنفكـ تصدح به حناجر الأطر الإعلامية في التلفزة المغربية لتحثّ مكونات الوطن وأطيافه على النزول إلى مائدة التحاور والتشاور، وحتى تتمكن الجهات المسؤولة، على حد زعمها، من فهم أسباب المشاكل المطروحة وتحليل أعراض الإشكاليات إلى محاور رئيسية وعوارض أساسية، وبالتالي الوصول إلى حلول ناجعة ومنه وضع نقط على الحروف شكلا وفعلا. وبنوع من السحر تنتهي المشاكل ولن يعود لها وجود، بحولهم وبإذن الله. فـيرتاح ذوي الشؤون العصيّة وتسعد الأطراف المعنيّة بطريقة عجيبة وحكيمة.

هذا يأتي والمغربُ يمرّ عبر أوقات عصيبة وظروف حرجة، تستوجب وقفة متأنية وقراءة مسترسلة ودراسة تربوية لأجهزة الدولة الوظيفية والحساسة. باعتبارهِ بلدٌ عربي ليس بمنأى عمّا يجري بالبلدان العربية الأخرى، وليس جزيرة بعيدة عن موجة تسونامي التي هبّت بالتغيير والإصلاح وضرورة الانتقال من الأسوأ نحو الأفضل والأحسن. طقس يحتضرُ غرقا في الفساد والفحشاء، ومناخ يُمطر همّا ويبكي حزنا إزاء الظلم والعدوان. أجواء سيّئة تكتنفُ كل الشرائح الوطنية .. والحياةُ قاسيةٌ، تُرغمُ من يتوسل إليها طمعا في كسرة خبز، يسد بها رمق الحياة ذاتها وينقذها من الشتات والممات، من افتراش المَدَرِ واستنادِ الحَجَر والضَّجَرِ، وركوبِ الخطر... صدقا، الأحوال لا توحي بالخير بتاتاً !!

إطاحة بأسس الديكتاتورية وإحداث طفرة تنموية .. محاور بنّاءة وأهداف وقّـادة تشكل عنوانا عريضا لقضايا وطنية كبرى. لتحقيقها على أرض الواقع، تمتثل الثورة بكل عنفوانها فتفسح المجال أمام الشباب والشيّاب وتكنس البيدر والميدان لنُخبة من الأدباء والعلماء، لثلة من الرواد والأبطال الأخيار، لحفنة من العطشى للتحرير والتغيير، حتى تتمكن من أن تشنّ حربا ضروس وتلج معركة حامية الوطيس، حيث تزحف حبوا وتمضي قدُما ضد التيار .. تمخر عُباب الاضطهاد والاستبداد بحزم وإصرار، ثم تعبر إلى ضفاف الانتصار من خلال استئصال البراثن الفاسدة واقتلاع طفيليات النظام الغاشم المفروض بحذافيره على الشعب الحر لمدةٍ طويلةِ الأمد، كأنه وحيٌ منزّل وقرآن مرتّل، لاسيّما وأنه ما يزالُ يؤصل جذوره العفنة في أغوار جسم الوطن بالقمع والتهديد، ويُضيق الخناق على الميامن الغر والأحرار، ويقتل النفس في شرايين الأمة وينتهكُـ حقوق الإنسانية بتجميد لحرية التفكير والتعبير، ويطمس الحقائق بالتزييف والتشهير... والتاريخ على هذا وذلكـ يشهد !!

الثورة نضال وكفاح من نوع آخر .. الثورة انتفاضة ضد الظلم والطغيان، ضد الفقر والحرمان وضد القمع والتطبيع .. الثورة ليست فكرة شاردة تداعب عقولَ الثُمّل وتضحك في غنج للجهّل، ليست فاجرة تراقص المخبُول وعاهرة تُجالس الكسُول .. لهذا أدّى انزلاق بعض الجهات المُتطرّفـة، التي تسعى وراء مجد مؤثل ووراء غنى مبتذل، إلى السقوط، جرّاء العجَلة والاستهتار وسوء التنظيم والتنسيق، في كمين الشهوة والشهرة ومنه في الشغب والفوضى والتخريب الذي لا يُغني ولا ينفع. وبالتالي إلى إفساد واجهةِ المُظاهرات السلميّة وتلطيخ سمعتها ونواياها الخلاقة عاراً. وكانت السلطة تتضرع وتُمنّي نفسها بفرصةٍ كهاته وتتخذها عُذرا كافيا وحُجّة بيّنة لتبني عليها كل غارتها العسكرية وتدخلاتها الهمجيّـة، فتطيح بفعاليات كل التظاهرات السلمية وتفرق التجمّعات النضاليّـة بعلة أنها، كما قلنا سابقا، جامحة ولا تمتّ إلى حرية التعبير بصلـة... ومَن كثُرت تناقضاتُه ازْوَرّتْ إصاباتُه !!


الثّورةُ إذاً، بلا إسهاب ولا إطناب، عقبةٌ كئود لا يَقتَحمُها إلا مَن فاضَ زادُه، وقويتْ أركانُه، من الرّجال -وحتى النّساء- الشِّداد .. لا يَصْـتون ولا يلهُون والوطنُ في الإدَد. فالرجال -من سبيل التنظيم- معادِنُ تُفرَقُ بالاختبار، وليس الصُّفْرُ ذهباً، ولئن شابَههُ مظهراً؛ فلقد فارقهُ مَخْبَرا. كما أنّ ثمارُها -الثورة- لا تُدرَك إلا بنَـزْع الرّوحِ وإعمالِ الفِكَر.. فكيفَ ينالُها مَن أنفقَ صباهُ على الفحشاء، وشغل سَلْوَتَـهُ بالغِنى، وخَلْوَتَهُ بالغِناء ؟!

ولاجتناب هذه المُضايقات القمعيّة وهذا المآل الفاشل والسخيف، ارتأت القناة المزعومة، أو بالأحرى الجهات المعنيّة التي تقف وراء تسييرها، أن تُسوّق فكرة الحوار المثالي الذي يُعنى به التواصل والنقاش ثم التعاون والاتحاد لحل الإشكاليات المطروحة ومواجهة تحديات الزمان وإكراهات العصر. لكن الحوار المزعوم يتطلّبُ انعكاسا مشروط ومباشر، إذ يقضي بوجود الطرف الثاني المُعارض من سُفراء الأمة وممثلي الشعب حتى تتضح الأمور وتُكشفُ الخبايا بشكل جلي عبر استقصاء وتحليل ومناقشة ما استشكل في مختلف القطاعات الأساسيّة سواء الاجتماعية منها أو الاقتصادية، السياسية أو الثقافية...

وكما أعلم وتعلمون، فمُمثلي الوطن باجٌ واحد، تنحصر تمثليتهم المشروعة في انتخابنا لهم كأحزاب سياسوية وكجمعيات حقوقية لإرسال أصواتنا وإسماع مطالبنا للجهات المعنيّة والحاكمة. لكن ما خفي أعظم !! عِوضَ أن تُمثل الشعب أيّما تمثيل وتأخذُ همومهم بمحمل الجد، فتحللها وتبحث في طياتها عن علل دائها وأسباب غمومها، ومنه عن آليات تحليلية لفكـ عقدتها ونزع طلاميس شللها .. تعتني فقط بخطاباتها الجوفاء حينما تجتمع جميعا في مُناسبات وطنية وندوات صُحفيّة ومحافل دولية وتحت قبّة البرلمان (لما يكون الملك طبعا).

بُحت الحناجر، ومن تُناديهِ لا يسمع .. تُرى المُواطن حُيالَ هذا ماذا سيصنع ؟؟ .. فـالبرلمان مجرّد مؤسسة هُلاميّة تمثيلية صنعتها الدولة، لتُهيمَ العقول العاقلة والشريحة الشاردة والمنسيّة، بأن هُناك فعلاً أسس العدالة وركائز الديموقراطية .. بينما العكس صحيح !!


إذا أقل ما يُمكنُ فعلهُ هو إعادة بناء تصوراتنا تُجاه هذه المؤسسات الإدارية والحزبية بإحالتها من جديد إلى إعادة الهيكلة والإصلاح الديموقراطي، وإبرام اتفاقيات قانونية تُشرّعُ بإمكانيّة إطاحتها كلما امتنعت الجهات المُنتخبة عن تمثيل الشعب باسترجاع حقوقه المهضومة والدفاع عن كرامته المنهوبة.

الأحزاب أصلا ومكونات الدولة من برلمان وشرطة، كلها تُمارس سلطة قمعية وتفرض أسلوبا استبداديا .. الفساد ما هو إلا الابن الشرعي -كما قال أحدهم- للاضطهاد والطغيان المُمارس منذ مدة لا يُستهانُ بها. هناك الاستغلال، الظلم، الاعتداءات، الرشوة، المحسوبية، الزبونية، القمع، السرقة بكل أنواعها، ... الخ. والأحزاب حشرات ضارة، والقنوات المغربية في استهتارها المُبالغ فيه عبر أفلام خليعة وبرامج تافهة وإعلانات مملة ... لا تُعيرُها اهتماما وصلاحا، تُسرفُُ أموال الشعب هباءا منثورا في أتفه المشاريع وفي أتعس البرامج ناهيك عن راتب خيالي للقائمين عليها -من مُدراء، رؤساء، برلمانيون..- على مهامهم "الناقصة والخاوية"، تزكم منها الأنوف .. وكمقابل مادي أيضا لأعمالهم المبتذلة الحقيرة، تعفّ من رؤيتها النفوس والضمائر الفاعلة والمنفعلة.

إلى أيِّ حوار إذا تدعو هذه القناة التائهة بين رقي الإعلام السمعي البصري والنهج الديموقراطي في نقل الأحداث وتسليط الأضواء عليها بحياد تام وموضوعية هادفة ؟؟
إلى ماذا تسعى هذه الأبواق التافهة (دوزيم والأولى) وراء زورها وبهتانها في تحليل مستجدات الشأن المحلي وفي تقديم مواد ترفيهية (راقية) وسلسلات اجتماعية (فنية)... ؟!!

0 تـعلـيق/ـات:

أضـف(ـي) تـعليـقا .. أترك(ـي) أريجك